الشيخ عبد الغني النابلسي

90

الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية

ثم سرنا وذهب معنا جماعة وفارقنا آخرون حتى وصلنا بجماعتنا أجمعين إلى قرية جمّاعين ، بفتح الجيم وتشديد الميم مفتوحة بعدها ألف ، وكسر العين المهملة ، وسكون المثناة التحتية ، بعدها نون ، كما هو المشهور بين أهل تلك البلاد . وقال ابن قاضي شهبة في تاريخ الإسلام : جماعيل باللام مكان النّون ، ولعلّه الصواب « 1 » ، وكان قد دعانا إلى زيارته / في تلك القرية الشيخ الصّالح ، والفالح النّاجح ، الشيخ عبد الحق الزّيتاوي العمري ، اجتمعنا به في نابلس المحروسة ، فتقدمنا إلى تلك القرية المأنوسة ، فبتنا عنده تلك الليلة المباركة مع جماعتنا وإخواننا ، وقد كنّا محفوفين بعناية اللّه تعالى وحراسة الملائكة ، وقد أضفنا بما تيسّر من الزاد ، وأضاف اللّه تعالى الدوابّ بحشيش تلك البلاد ، وقلت في ذلك من النظام على سبيل الارتجال في الانسجام : بقرية جمّاعين جئنا جماعة * من الخير جمّاعين كلّ كمال كأنّ وجوه القوم في ساعة الندى * بدور تمام في ظلام ليال وزرنا قريبا منها بقية أولاد يعقوب عليهم الصّلاة والسلام ، في قبّة هناك تظهر من بعيد لأعين الأنام ، وزرنا أيضا قريبا منها السيد علم الهدى عليه رحمة اللّه تعالى كلّما خفي النّهار وبدا ، ودعونا بما تيسّر من الأدعية المقبولة إن شاء اللّه تعالى ، وقد زرنا في تلك القرية ديار أجدادنا بني قدامة الذين هاجروا من هاتيك البلاد لمّا استولت عليهم الظلامة ، وأخذ الكفّار بيت المقدس فهجروا الدّيار والأوطان وجاؤوا مع من جاء من علماء بيت المقدس وصلحائها الكرام ، إلى دمشق الشّام ، وسكنوا بالصّالحية في ذيل جبل

--> ( 1 ) جمّاعيل هي القرية التي خرج بنو قدامة منها إلى دمشق وبنوا دير الحنابلة والمدرسة العمرية وجامع الحنابلة في الصالحية ومن أشهرهم أحمد بن قدامة الأب وولداه أبو عمر ، والموفّق ، صاحب كتاب المغني . وأما ابن شهبة فهو الشيخ تقي الدين أحمد الأسدي الدمشقي ، والكتاب مخطوط ، وقد طبع قسم من مختصره في المعهد العلمي الفرنسي بدمشق سنة 1977 ، وسيذكر الشيخ النابلسي مقطعا من الكتاب المذكور عن هجرة بني قدامة ، فيما يلي .